الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
411
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
دال على حجيتها وهو أمر واحد يستند إليها بأنفسها على نحو سواء كما عرفت وليست حجية الظن حجة في المقام بل الحجة نفس الظن وقد عرفت أنه بعد ملاحظة الظنين وملاحظة حجيتها على الوجه المذكور ينهض الثاني دليلا على عدم حجية الأول دون العكس فيكون قضية للدليل القائم على حجية الظن إلا ما قام الدليل على عدم حجيته بعد ملاحظة الظنين المفروضين حجية الثاني وعدم حجية الأول من غير حصول تعارض بين الظنين حتى يؤخذ بأقواهما كما لا يخفى على التأمل رابعها أن هناك أدلة خاصة قائمة على حجية الظنون المخصوصة على قدر ما يحصل به الكفاية في استنباط الأحكام الشرعية وهي إما قطعية أو منتهية إلى القطع حسبما فصل القول فيها في الأبواب المعدة لبيانها ونحن نحقق القول في ذلك في تلك المقامات إن شاء الله ولعلنا نشير إلى بعض منها في طي هذه المسألة أيضا وحينئذ فلا إشكال في كونها مرجحة بين الظنون فلا يثبت بالمقدمات الثلاث المتقدمة ما يزيد على ذلك فطريق العلم بالأحكام الواقعية وإن كان مسدودا في الغالب إلا أن طريق العلم بتفريغ الذمة والمعرفة بالطريق المقررة في الشريعة للوصول إلى الأحكام الشرعية غير مسدود فيتعين الأخذ به هذا وقد يقرر الدليل المذكور بنحو آخر بأن يقال إنه لو لم يكن مطلقا بعد انسداد باب العلم حجة لزم أحد أمور ثلاثة من التكليف بما لا يطاق والخروج من الدين والترجيح بلا مرجح وكل من اللوازم الثلاثة بيّن البطلان وأما الملازمة فلأنه لا يخلو الحال بعد انسداد باب العلم من وجوب تحصيل العلم ولو بسلوك سبيل الاحتياط وترك العمل بما لا علم به رأسا إذ العمل ببعض الظنون دون بعض أو الرجوع إلى مطلق الظن عدا ما ثبت المنع من الظنون الخاصة فعلى الأول يلزم الأول إذ المفروض انسداد باب العلم في معظم الأحكام وعدم إمكان مراعاة الاحتياط في كثير منها مضافا إلى ذهاب المعظم إلى عدم وجوب الاحتياط مع ما في القول بوجوبه من العسر العظيم والحرج الشديد وعلى الثاني يلزم الثاني لخلو معظم الأحكام عن الأدلة القطعية وعلى الثالث يلزم الثالث إذ لا ترجيح بين الظنون لعدم قيام دليل قطعي على حجية ما يكتفي به من الظنون في معرفة الأحكام والرجوع إلى المرجح الظني في إثبات الظن فيتعين الرابع وهو المدعى ويمكن الإيراد عليه على نحو ما مرت الإشارة إليه تارة بأنا نلتزم وجوب تحصيل العلم بالواقع أو بطريق دل الدليل القاطع على حجيته وفيما عدا ذلك يبنى على الاحتياط على حسبما مر تفصيله القول فيه وفيما لا يمكن الاحتياط فيه إن لم يعلم تعلق التكليف ينافي خصوص تلك المسألة من إجماع أو ضرورة وكان لنا مندوحة عنه يبنى على سقوط التكليف لعدم ثبوت طريق موصل إليه بحسب الشرع وإن علم ثبوت التكليف بالنسبة إلينا يبنى فيه بالتخيير بين الوجهين أو الوجوه المحتملة في تعلق التكليف يعني أنه يؤخذ بالقدر المتيقن ويدفع اعتبار ما يزيد عليه لانتفاء الطريق إليه كما أنا مع القول بقيام الدليل القاطع على طريق يعلم معه بتفريغ الذمة نلتزم به بالنسبة إلى من يكون في أطراف بلاد الإسلام إذا لم يتمكن من الوصول إلى الطريق المقرر في الشريعة ويمكن من تحصيل طريق الاحتياط فإنه يلزم البناء على نحو ما أشرنا إليه وتارة بالتزام سقوط التكليف فيما لا سبيل إلى العلم به قوله أنه يلزم الخروج عن الدين قلنا ممنوع على حسب ما مر تفصيل القول فيه وأخرى بالتزام البناء على العمل ببعض الظنون قوله يلزم الترجيح من دون مرجح قلنا فممنوع وإنما يلزم ذلك إذا لم يقم عندنا دليل قطعي أو منته إلى القطع على حجية جملة من الظنون كافية في حصول المطلوب ومع الغمض عنه فإنما يلزم ذلك مع عدم الاكتفاء بالمرجح الظني إن قلنا بعدم حجية جملة من الظن المتعلق بحجية بعض الظنون دون بعض وكلا الدعويين محل منع بل فاسد حسبما مر القول فيها وأيضا نقول إنه إن أريد بالشرطية المذكورة لزوم أحد الأمور الثلاثة على تقدير عدم حجية مطلق الظن بالواقع بعد انسداد طريق العلم به فالملازمة ممنوع وما ذكر في بيانها غير كاف في إثباتها لإمكان الرجوع إلى الظن مما كلفنا به من غير أن يلزم شيء من المفاسد الثلاثة وهو غير المدعى كما عرفت وإن أريد به الأعم من الوجهين فهو مسلم ولا يفيد حجية الظن المتعلق بالواقع كما هو المدعى على أن التقرير المذكور لا تفي بوجوب الرجوع إلى الظن به غاية الأمر دلالته على لزوم الرجوع إلى ما عدا العلم ولو كان الرجوع إلى تقليد الأبواب مثلا فلا بد من أخذه فيه ما يفيد وجوب الأخذ بالظن حسبما أخذناه في التقرير المتقدم الثاني أنه لو لم يجب العمل بالظن لزم ترجيح المرجوح على الراجح وهو غير جائز بديهة فالمقدم مثله بيان الملازمة أنه مع عدم الأخذ المظنون لا بد من الأخذ بخلافه وهو الموهوم ومن البين أن المظنون راجح والموهوم مرجوح لتقومهما بذلك وهو ما ذكرنا من اللازم فإن قلت إنه إنما يلزم ذلك إذا وجب الحكم بأحد الجانبين وأما مع عدمه فلا إذ قد لا يحكم إذن بشيء من الطرفين قلت فيه أولا إن ترك الحكم مرجوح أيضا في نظر العقل فإنه مع رجحان جانب الظنون يكون الحكم به راجحا على نحو رجحان المحكوم به فيكون ترك الحكم أيضا مرجوحا كالحكم بخلاف ما يرجح عنده من المحكوم به وثانيا أنه إنما يمكن التوقف في الحكم والفتوى وأما في العمل فلا وجه للتوقف إذ لا بد من الأخذ بأحد الجانبين فإما أن يؤخذ الجانب الراجح أو المرجوح معا أو تركهما معا أو العمل بالمرجوح ويتم الاستدلال وقد أشار إلى هذه الحجة في الأحكام في حجج القائل بحجية أخبار الآحاد قال إنه إما أن يجب العمل بالاحتمال الراجح والمرجوح معا أو تركهما معا أو العمل بالمرجوح دون الراجح أو بالعكس لا سبيل إلى الأول والثاني والثالث ولم يبق سوى الرابع وهو المطلوب وأشار إليه في النهاية أيضا في ذيل الحجة الآتية والجواب عنه المنع من بطلان التالي ودعوى البداهة فيه ممنوعة إذ قد يؤخذ فيه بالاحتياط وهو مع كونه عملا بخلاف المظنون حسن عند العقل قطعا فليس مجرد العمل بخلاف المظنون مرجوحا عند العقل وقد يؤخذ فيه بالأصل نظرا إلى توقف تعلق التكليف في نظر العقل بإعلام المكلف وحيث لا علم فلا تكليف إلا أن يثبت قيام غيره مقامه كيف ولو كان ترجيح المرجوح في العمل على الراجح المفروض بديهي البطلان لكانت المسألة المفروضة ضرورية إذ المفروض فيها حصول الرجحان مع أنها بالضرورة ليست كذلك بل مجرد رجحان التكليف حصول التكليف في نظر العقل لا يقضي بوجوب الأخذ بمقتضاه والقطع بتحقق التكليف على حسبه كما زعمه المستدل إذا لم يقم هناك دليل قاطع على وجوبه كيف وهو أول الدعوى بل نقول إن رجحان حصول الحكم في الواقع لا يستلزم رجحان الحكم بمقتضاه لإمكان حصول الشك حينئذ في حسن الحكم أو الظن بخلافه بل والقطع به أيضا فلا ملازمة بين الأمرين